فخر الدين الرازي
90
تفسير الرازي
الإضمار ، أو يقال ما وعد الرحمن خبر مبتدأ محذوف تقديره هو ما وعد الرحمن من البعث ليس تنبيهاً من النوم ، وصدق المرسلون فيما أخبروكم به . المسألة السادسة : إن قلنا : * ( هذا ) * إشارة إلى المرقد أو إلى البعث ، فجواب الاستفهام بقولهم * ( من بعثنا ) * أن يكون ؟ نقول : لما كان غرضهم من قولهم : * ( من بعثنا ) * حصول العلم بأنه بعث أو تنبيه حصل الجواب بقوله هذا بعث وعد الرحمن به ليس تنبيهاً ، كما أن الخائف إذا قال لغيره ماذا تقول أيقتلني فلان ؟ فله أن يقول لا تخف ويسكت ، لعلمه أن غرضه إزالة الرعب عنه وبه يحصل الجواب . ثم قال تعالى : * ( إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) * أي ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة ، يدل على النفخة قوله تعالى : * ( ونفخ في الصور ) * ( يس : 51 ) ويحتمل أن يقال إن كانت الواقعة ، وقرئت الصيحة مرفوعة على أن كان هي التامة ، بمعنى ما وقعت إلا صيحة ، وقال الزمخشري : لو كان كذلك لكان الأحسن أن يقال : إن كان ، لأنا لمعنى حينئذٍ ما وقع شيء إلا صيحة ، لكن التأنيث جائز إحالة على الظاهر ، ويمكن أن يقول الذي قرأ بالرفع أن قوله : * ( إذا وقعت الواقعة ) * ( الواقعة : 1 ) تأنيث تهويل ومبالغة ، يدل عليه قوله : * ( ليس لوقعتها كاذبة ) * ( الواقعة : 2 ) فإنها للمبالغة فكذلك هنا قال : * ( إن كانت إلا صيحة ) * مؤنثة تأنيث تهويل ، ولهذا جاءت أسماء يوم الحشر كلها مؤنثة كالقيامة والقارعة والحاقة والطامة والصاخة إلى غيرها ، والزمخشري يقول كاذبة بمعنى ليس لوقعتها نفس كاذبة ، وتأنيث أسماء الحشر لكون الحشر مسمى بالقيامة ، وقوله : * ( محضرون ) * دل على أن كونهم * ( ينسلون ) * ( يس : 51 ) إجباري لا اختياري . ثم بين ما يكون فذلك اليوم بقوله تعالى : * ( فَالْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * فقوله : * ( لا تظلم نفس ) * ليأمن المؤمن * ( ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ) * لييأس المجرم الكافر وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى يأس المجرم بقوله : * ( ولا تجزون ) * وترك الخطاب في الإشارة إلى أمان المؤمن من العذاب بقوله : * ( لا تظلم ) * ولم يقل ولا تظلمون أيها المؤمنون ؟ نقول لأن قوله : * ( لا تظلم نفس شيئاً ) * يفيد العموم وهو كذلك فإنها لا تظلم أبداً * ( ولا تجزون ) * مختص بالكافر ، فإن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن الله فضلاً مختصاً بالمؤمن وعدلاً عاماً ، وفيه بشارة .